الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

نفحات الولاية

علينا هو التسليم لإرادة اللَّه والرضى بما يرتضي ! 2 - إن الدعاء يعدّ إحد العوامل المخدرة للإنسان فيصده عن السعي والعمل والنشاط ، حيث ينصرف الإنسان عن هذه الأمور ويلوذ بالدعاء لتأمين حاجياته . 3 - ناهيك عن كل ما تقدم ، كيف يسعنا تغيير المقدرات الإلهية بواسطة الدعاء ، فلو قدر اللَّه أمراً ، فانّ ذلك الأمر سوف لن يغيره دعاؤنا ، وبعبارة أخرى فانّ الدعاء نوع من أنواع الفضول والتطفل على أفعال اللَّه ، فاللَّه لا يفعل إلّاما فيه المصلحة ولا داعي للدعاء . ولكن لا ترى هذا الكلام سليم إذا ما وقفنا على فلسفة الدعاء ومفهومه الواقعي . فالمفهوم الواقعي للدعاء هو أننا نعمل ما في وسعنا ونجهد أنفسنا وما فاق ذلك نوكله إلى اللَّه ولطفه ، ونتضرع إليه بالدعاء لحل المشاكل ، وعلى ضوء « أَمَّنْ يُجِيبُ المَضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ » « 1 » نطرق بابه ونسأله بعد أن سعينا سعيناً ولم يبق إلّاتوفيقه . ومن هنا صرحت بعض الروايات الإسلامية بعدم استجابة دعاء من قصر في العلم وخلد إلى الكسل والراحة . فاللَّه لا يستجيب دعاء من سأله الرزق وهو جالس في بيته دون أن يسعى ويعمل ، كما لا يستجاب دعاء من أقرض مالًا ولم يكتبه ثم أنكر عليه المدين ولم يعطه ماله ! والخلاصة فانّ الكسل والتقاعس لا ينسجم واستجابة الدعاء . وعلى ضوء ما تقدم فانّ الدعاء لا يعتبر عاملًا مخدراً ، بقد رما بعد عاملًا محركاً . أمّا ما يقال من أن الدعاء لا يغير التقدير ، فجواب ذلك واضح ، وهو أنّ الدعاء سبب زيادة استحقاق الإنسان لأنّه يتجه إلى اللَّه وينور قلبه بمعرفة اللَّه يتوب إليه من ذنوبه ؛ لأنّ التوبة من شروط قبول الدعاء ، وبذلك يتأهب أكثر لتلقي الفيض الإلهي والعناية الربانية ، لأنّ اللَّه قدر المزيد من لطفه وفضله لمن كان أكثر إستعداداً وجدارة ، بعبارة أخرى فانّ للَّه نعم وخيرات وبركات للعباد مشروطة ببعض الشرائط ، في مقدمتها التوجه إليه ودعاؤه والتقرب إليه . وبناءاً على هذا فانّ رحمةاللَّه ولطفه متوقفة على الدعاء . ومن هنا يتضح الجواب على الإشكال الذي يفيد عدم انسجام الدعاء وروح الرضا والتسليم ؛ لأنّ الدعاء تأكيد للتسليم والرضا ، فالحق سبحانه أراد لعباده أن يعيشوا القرب منه بالدعاء ، فإذا عاشوا القرب شملهم اللَّه برحمته وفضله ، الأمر الذي أكد الدعاء في أغلب الآيات والروايات . وزبدة الكلام فانّ للدعاء أثاره التربوبة الجمة على حياة الإنسان ، أدناها أنّه يطهر قلبه

--> ( 1 ) سورة النمل / 62 .